منتدى التسويق العقارى

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي
منتدى التسويق العقارى

أهلا و سهلا بك يا زائر فى منتدى التسويق العقارى


    موظف وسوق الخضار

    شاطر

    موظف وسوق الخضار

    مُساهمة من طرف البرنسيسة في السبت 24 أبريل 2010, 1:34 am

    موظف وسوق الخضار

    ما أن يفرغ الموظفون البسطاء من عملهم حتى يتوجهوا بهمة من مختلف أماكن عملهم في مدينتي رام الله والبيرة إلى سوق الخضار المركزي- الذي يتوسط المدينتين كموقع القلب من الجسد - على أمل أن يجدوا ما تحتاجه بيوتهم من خضار وبقوليات وحمضيات وفواكه بأسعار رخيصة وغيرها.. والغريب في ذلك أنهم يتعمدون الذهاب بعد العصر إلى هناك طمعاً في الاستحواذ على اكبر قدر ممكن من الخضار خاصة وأن أسعارها تتناسب مع أوضاع ذوي الدخل المحدود في هذه الفترة التي ينهمك فيها التجار لتصريف بضاعتهم بسرعة قبل مغيب الشمس..
    لذلك ترى الموظفين داخلين إلى السوق وخارجين منها وأيديهم محملة بعد دورانهم وتجوالهم المرير بين البسطات المنتشرة داخل السوق.. بععيب ساعات الصباح والظهيرة حيث تكون الأسعار غالية جداً، ويبيع التجار في هذه الفترة بالذات أجود بضاعتهم للمواطنين القادمين من القرى والقاطنين في المدينتين، ويردون رؤوس أموالهم، وما يتبقى منها يعتبر من فائض الربح ويتم بيعه بعد العصر.. فلا يستطيع الموظف الاقتراب من السوق خلال الفترة الصباحية إلا من كان ميسور الحال..
    من عادتي، أيضا، ارتياد هذه السوق يومياً بعد نهاية دوامي كباقي هذه الفئة، لكن هذه المرة ليست كالمرات السابقة.. كان الجو ماطراً ومدلهماً في يوم خميس من الأسبوع الأخير لشهر شباط حيث تكون جيوب الموظفين شبه خاوية، وخاصة أولئك الذين يُعلّمون أولادهم أو بناتهم في الجامعات وليس لهم مصدر رزق آخر سوى راتب الوظيفة.. بعد انتهاء دوام ذلك اليوم، خرجت متدثراً بملابسي الشتوية.. دافنا رأسي ووجهي بين ياقة الجاكيت تلمساً للدفء إلى الشارع العام قاصداً سوق الخضار.. عندما انعطفت إلى شارع البيرة - القدس الملاصق لسوق الخضار كان يسير أمامي شخص قصير القامة.. شعره أشيب مخلوط بالسواد.. ويرتدي بنطالاً لونه بيج مع قميص بني تعلوه كنزة قديمة، ويلف حول عنقه القصير الكوفية الفلسطينية، لكن وجهه كان متجهماً!! لم اعرف سبب ذلك!!.. كان يسير بخطى ثابتة.. يداه في جيبيه، ورأسه إلى أسفل.. يرفعه أحياناً إلى أعلى ويجول بنظراته الفاحصة على جانبي الشارع قرب السوق وهو يسمع الأصوات الشعبية للبائعين المنتشرين على أرصفتة.. هذا ينادي بصوته: "يا عيني على الجبن البلدي أبيض مثل الثلج.. وذاك ينادي: البندورة للغندورة، وتعال اكبش وفرفش.. وثالث ينادي: "إلي بيشتري من عِزو الله يعزه.. يا بلاش لأبو العيلة.... قوّي قلبك والفواكه بتحبك.. وآخر ينادي: البطاطا للخياطة.. "
    بدأ صياح تجار البسطات يزداد كلما اقتربنا من السوق.. ودعايتهم الصوتية وحلاوتها تدغدغ مسامع هذا الشخص، وألوان الخضار والفواكه المتنوعة تثير شهية الزائر.. اقترب من أول بسطة، وسأل صاحبها: بكم كيلو الجبن؟
    - بعشرين شيقلاً.
    فتش بيده اليمنى جيبه.. اخرج منها نقودا.. وضعها في راحة يده الأخرى ثم قام بِعَدّها، ثم أغمض راحة يده عليها وأعادها إلى جيبه مرة ثانية وهو يتلفت من حوله يمينا وشمالاً حتى لا يكتشف أحد سِرّه، وكان حريصاً على عدم انكشاف أمر حالته!! شكر صاحب البسطة دون أن يشتري منه شيئاً.. وهَمّ بمغادرته إلا أن التاجر ناداه:" يا راجل تعال، مالك رحت؟ براعيك!!".. ولم ينجح في إغرائه.. كان يسير بخطوات وئيدة وهو يزفر.. لقد شدني هذا الشخص لمتابعة قصته عندما لاحظت قلة نقوده..
    دخلنا السوق متتابعين.. وكلما أعجبه شيء.. يقترب من البسطة ويسأل عن سعره، وعندما يشعر بأن ثمنه أكثر مما في جيبه وبحوزته يعزف عن الشراء رغم حاجته له!! بدأ يتجول داخل السوق وفي ممراته الضيقة بين البسطات بِصَمت، وأحياناً يسأل هذا وذاك ثم يُخرج ما في جيبه من نقود، يُعِدُها ثانية وثالثة ثم يعيدها إلى جيبه!!.. وكان أحيانا يصدمه الأطفال - الذين يملأون السوق بعرباتهم الصغيرة المحملة بالبضاعة لقاء اجر يأخذونه من المواطنين- من الخلف أو الأمام أو تدوس عجلات عرباتهم أطراف قدميه أثناء مروره بجانب هذه العربات في الممرات المزدحمة وهم يتسابقون ويتنافسون على عيبب أرزاقهم.. فكان يخطف قدمه بسرعة وهو يتأوه، ويزداد غضباً؟ طلاب مدارس صغار يمارسون مهنة العتالة في السوق بعد انتهاء دوامهم المدرسي، وموظف يشكو حاله وهو يبحث عن حاجته.. ينظر إليهم وإلى حاله.. ويمتنع عن زجرهم ويكتفي فقط بتحذيرهم من تكرار ذلك، ولا يلومهم على هذا النشاط والعمل إدراكاً منه بالزحام في الحياة على لقمة العيش، وكان بين الفينة والأخرى يلوذ من قطرات المطر تحت المظلات المنتصبة كلما ازداد انهمارها، وحالما تخف، يعيد الكَرّة ثانية بالدوران..
    لقد تولدت في رأسي أسئلة كثيرة.. لكن لم استطع التدخل، كما آثرت تجنب توجيه السؤال له مباشرة حفاظاً على خصوصيته الشخصية.. وتركت الأمور تجري بدون إحراج، واكتفيت بمتابعة سلوكه، ولغة جسده، ونظراته، وردة فعله داخل السوق..
    أثناء تجواله بين التجار، لاحظه بعضهم، وسأله: لقد سألت الكثير عن السعر عند التجار الآخرين ووجدته.. هو.. هو، فكم معك من النقود حتى أعطيك؟؟ لقد حيرتني يا رجل!!..
    هذا السؤال دفعه للإفصاح عن وضعه.. فأجابه بصوت خافت: راتبي قليل ولا يغطي حاجاتنا المعيشية، والأسعار عالية، وقيمة الشيقل الشرائية منخفضة، وتتراكم فواتير الشركات، وتزداد مصاريف وأقساط أولادي الجامعية، ونحن في نهاية الشهر، ويبدو أنني جئت في وقت غير مناسب.. ووووو.. فسمعت التاجر يقول له: خُذ ما تريد.. ولا يهمك، وتدفع لي في مرة لاحقة إن لم يكن معك فلوس!!! شكره على موقفه النبيل، وانساب بين الجموع دون أن يأخذ حاجته وهو يلعن هذه اللحظة المُحرجة.. كان ينظر بحسرة إلى جموع المشترين وهم يحملون بأيديهم أكياس البلاستيك الممتلئة، بينما يداه فارغتان.. يبلع ريقه.. وهنا على ما يبدو، تزاحمت الأسئلة في ذهنه الشارد.. وصار يسأل نفسه: لماذا يستطيعون الشراء، وأنا لا استطيع؟؟ وما سبب عجزي يا ترى؟ هل هو اختياري للوظيفة وأصبحت أسيرا لراتبها الاسمي؟ أم لعدم تدبيري؟ أو لغلاء المعيشة؟ أو لكثرة مصاريفي العائلية؟ أو الحصار الاقتصادي والحواجز العسكرية؟ وإلى أين أنا ذاهب يا ترى بعد مضي 20 سنة من العمل في الوظيفة؟ لكن لا يمكن أن احرم أولادي من التعليم، ولا حتى أفراد أسرتي من الغذاء!! أنا لم أطلب شيئاً مستحيلاً بل اطلب الحياة الكريمة والعيش بأمان، والقدرة على شراء حاجاتي الضرورية كباقي البشر..
    اصدر هذا الرجل من جوفه آهة عميقة، ولف الحياء والخجل وجهه.. كنت أرى ساقيه تترددان كلما كان يهمَ بالاقتراب من تاجر آخر، حيث أضاع بمحاولاته اليائسة و بأسئلته وقت التجار من كثرة مفاصلته، ولم يبق أحد إلا ومرّ عليه وسأله..
    أخيرا صدح تاجر بلغته الشعبية على مسامع الجميع قائلاً: "إلىّ معوش ما بيلزموش!!".. فكانت تلك الجملة قاسية الوقع على نفسه، كالخنجر في الصدر.. صار يتمتم بكلمات بين الحين والآخر لم اسمعها، وأحياناً يضرب كفيه ببعضمها البعض ثم يعود ويخفيهما في جيبيه، وأحيانا أخرى يُخرج يده اليمنى ويحك بسبابته طرف وجنته العلوي..
    رأيته - في اللحظة الأخيرة- يلتفت إلى الخلف وهو يغادر سوق الخضار، وينتابه شعور حتى أن البضاعة الرخيصة أصبحت بعيدة عن متناول يده خلال هذه الفترة.. وفهمت من نظراته الأخيرة أنه كان يريد أن يُشبع نظره بما هو معروض كأنه لا يريد الخروج بدون شي
    ء.



    avatar
    عمرو بكير




    ذكر
    عدد المساهمات : 1082
    تاريخ التسجيل : 06/08/2009
    العمر : 26
    الموقع الموقع : سي هورس
    العمل/الترفيه العمل/الترفيه : مدير مكتب لؤلؤة الآزرق للتسويق العقارى

    رد: موظف وسوق الخضار

    مُساهمة من طرف عمرو بكير في الأحد 25 أبريل 2010, 11:00 pm

    مشكوره يا برنسيسه على مجهودك الرائع



    عمرو

    رد: موظف وسوق الخضار

    مُساهمة من طرف البرنسيسة في الأربعاء 02 يونيو 2010, 10:36 am

    مشكور على المتابعه
    والمرور الكريم




      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 13 ديسمبر 2017, 3:14 am